ترك الهندسة لأجل الكتابة ونجا من الإعدام بالصدفة! قصة حياة الأديب العالمي دوستويفسكي

    تعرفوا على قصة حياة أحد أعظم الأدباء في التاريخ، فيودور دوستويفسكي. تعرفوا على قصة حياة أحد أعظم الأدباء في التاريخ، فيودور دوستويفسكي.

    ترك الهندسة لأجل الكتابة ونجا من الإعدام بالصدفة! قصة حياة الأديب العالمي دوستويفسكي

    By / ثقافة / الجمعة, 13 تشرين2/نوفمبر 2020 09:47

    بينما كان دوستويفسكي في الثامنة والعشرين من عمره صدر حكمٌ بإعدامه، فقد كان عضواً في جماعة "التفكير المتحرر" التي اعتبرها القيصر الروسي جماعةً خطيرة. وبينما كان الجنود يُخرجون أعضاء الجماعة من السجن لتنفيذ حكم الإعدام جاءهم القرار بتخفيف الحكم من الإعدام إلى النفي في سيبيريا، وهكذا كُتب لهذا الشاب 32 سنةً أخرى ليعيشها سيقضيها في الكتابة ليصبح أحد أشهر الكتّاب العالميِّين الذين تجاوزت شهرتهم روسيا بسرعة.

    وكانت شهرته الرئيسية هي كتابة الروايات التي تعبِّر عن فهمٍ عميقٍ للنَّفس البشرية، وخاصة نفسية الأشخاص الذين يفقدون عقولهم، ويتحولون إلى مجانين أو ليرتكبوا جرائم قتل معقّدة التفاصيل، وهكذا فقد استطاع فيودور دوستويفسكي نقل ما يحدث في المجتمع الروسي إلى سياقٍ عالميٍّ أبعد، بغوصه في تعقيدات وتركيبات النفس البشريّة.

    يتيمٌ ورث نوبات الصَّرع المفاجئة من أبيه!

    ولد فيودور دوستويفسكي في مدينة موسكو الروسية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1821، لأبٍ يعمل طبيباً في مستشفى عسكري وعائلةٍ شديدة التديُّن، وكان والده يُعرَف بتديُّنِه الشديد طوال حياته. كما كانت قسوته على أطفاله استثنائية، وستظلّ مع دوستويفسكي شخصية أبيه طوال حياته، وستظهر كذلك في كتابته، لكنّ والدته المؤمنة الطيبة قد فارقت الدنيا في سنٍّ صغيرة، وهكذا عاش فيودور حياةً بائسة تماماً، منذ صغره.

    فيودور دوستويفسكي

    نصب تذكاري على مقبرة فيودور دوستويفسكي في العاصمة الروسية السابقة سانت بطرسبرغ

    بدأ في القراءة بنهمٍ في شبابه، وكان يتلقَّى تعليمه في البداية على يد والدته ووالده ومعلِّمِين خصوصين، لكنَّه التحق بمدرسةٍ خاصة عندما أصبح في سن 13. وبعد عامين فقط توفيت والدته، وقُتل والده بعدها بسنتين أيضاً، عام 1839، حين كان دوستويفسكي في الثامنة عشرة من عمره، وملتحقاً بمدرسة في العاصمة الروسية حينها سانت بطرسبرغ.

    درس دوستويفسكي الهندسة -على عكس رغبته- ليصبح مهندساً عسكرياً، لكنّه كره المدرسة وأحب الأدب. وبعد انتهائه من دراسته في الهندسة، حصل على وظيفة "مهندس ملازم"، لكنّه كان مشتتاً بسبب حبه للأدب، وهكذا ابتعد عن مهنته التي درسها وتدرَّب عليها وتفرّغ تماماً للكتابة. وقد نُشرت أول ترجمة له في صيف عام 1843، وهي ترجمة لرواية "أوجيني غرانديت" للأديب الفرنسي بلزاك.

    ورغم أنه نشر عدة ترجمات في هذا الوقت، فإن أياً منها لم يكن ناجحاً بشكلٍ خاص، ووجد نفسه يعاني مالياً. وتُظهر خطاباته الأولى أنه كان شاباً متحمساً يفيض بالحيوية، بل إنه ربّما كان يعاني اضطراباً عقلياً خفيفاً أيضاً.

    كتابات دوستويفسكي الأولى وتجربة الإعدام غير المنفَّذ

    بعدما ترك دوستويفسكي الهندسة امتهن الكتابة، فبدأ حياته المهنية بكتابة قصصٍ خيالية عن فقراءٍ يعانون ظروفاً معيشية صعبة.

    انتهى من روايته الأولى "المساكين" عام 1843، وكان عمره آنذاك 23 عاماً. وهي رواية اجتماعية عن موظف حكومي متعثِّر مالياً. عندما خرجت الرواية أشاد بها ناقدٌ روسيّ معروف، فاشتهرت، غير أن رواية دوستويفسكي الثانية "الشبيه" التي نشرها عام 1846 لم تلق ترحيباً مماثلاً، ولم تحظَ أعماله اللاحقة في أربعينات القرن التاسع عشر بترحابٍ كبير.

    لكنّ رواية "الشبيه" عُرفت بأنها أفضل أعماله الأولى، وكانت من نواحٍ كثيرة سابقة لعصرها، لكنّ النجاح المحدود لها أزعج دوستويفسكي كما هو متوقَّع. واتّسمت حياته في الفترة بين عامي 1846 و1849 بالضياع والارتباك. وكانت معظم القصص القصيرة والروايات التي كتبها خلال هذه الفترة تروي تجارب بأشكالٍ وموضوعاتٍ مختلفة.

    وشهدت حياة دوستويفسكي بعضاً من هذه التجارب المضطربة نفسها، ففي عام 1847 انضمَّ إلى ما يشبه منظمة ثورية (مناهضة للحكومة) تسمى رابطة بتراشيفسكي "جماعة التفكير المتحرر". وفي عام 1849 أُلقي القبض على أعضائها.

    وبعد قضاء دوستويفسكي ثمانية أشهر في السجن "حُكِمَ" عليه بالإعدام، لكنَّ هذا الحُكمَ خُفِّفَ إلى السجن أربع سنوات وأربع سنوات من الخدمة العسكرية القسرية في سيبيريا، لكن دوستويفسكي شعر في مرحلة معينة أنه لم يعد لديه سوى لحظاتٍ قليلة ليعيشها، ولم ينس أبداً ما شعر به في تلك التجربة. 

    يحكي دوستويفسكي لزوجته عن تجربة حكم الإعدام تلك ووصول الحكم بالتخفيف إلى النفي، فيقول: 

    كنت واقفاً في الساحة أراقب بفزعٍ ترتيبات الإعدام الذي كان سينفذ بعد 5 دقائق. كلنا في قمصان الموت موزَّعين على مجموعاتٍ من ثلاثة محكومين، وكنت الثامن في التِّعداد، ضمن المجموعة الثالثة. أوثقوا الثلاثة إلى الأعمدة، وبعد دقيقتين يطلق الرصاص على المجموعتين الأوليين ويأتي دوري. يا إلهي، ما أشد رغبتي في الحياة. تذكرت كل ماضيّ الذي هدرته وأسأت استخدامه، فرغبت في الحياة من جديد وفي تحقيق الكثير مما كنت أنوي تحقيقه لأعيش عمراً طويلاً وفي اللحظة الأخيرة أعلن وقف التنفيذ.

    وهكذا، كانت تجربة مواجهة الموت/الإعدام تجربةً محوريةً في حياة دوستويفسكي، وكذلك في أدبه.

    أدب روسي
    تمثال لدوستويفسكي أمام مكتبة لينين في العاصمة موسكو 

    عاد دوستويفسكي إلى العاصمة سانت بطرسبرغ عام 1859 مع زوجته المضطربة، ماريا إسايفا، وهي زوجته الأولى التي تزوجها في المنفى في سيبيريا، لكن زواجهما لم يكن سعيداً.

    كانت ماريا متزوجة في الأساس من ألكسندر إيفانوفيتش، لكنّ دوستويفسكي كان قد وقع في حبّها منذ لقائهما الأوّل، وما إن ذهب زوجها ألكسندر إلى مهمّة عسكرية حتّى قتل فيها، وهكذا انتقلت ماريا مع ابنها للعيش معه، في ترتيبٍ قدريٍّ عجيب.

    وبعدما كتب خطاب اعتذارٍ للسلطات الروسية عن "جريمته"، استعاد دوستويفسكي حقّه في النشر وفي الزواج، وهكذا تزوّج ماريا، لكن سرعان ما ظهرت اختلافات الشخصيات بينهما، وهكذا أصبح زواجهما تعيساً.

    عمل دوستويفسكي في تحرير مجلة تايم مع شقيقه ميخائيل وكتب عدداً من الأعمال الروائية لكسب المال. وفي عام 1861، نشر كتاب "مذكرات من البيت الميت" أو كما يترجم أحياناً "ذكريات من منزل الأموات"، وهو عمل روائي مستمدٌّ من تجربته في السجن. 

    بشكل عام، لم يظهر في كتابات دوستويفسكي خلال هذه الفترة أيَّ تقدمٍ فنِّي يُذكَر مقارنة بأعماله الأولى، ولم يظهر فيها لمحة من الإبداع الذي ظهر لاحقاً، عام 1864 في روايته "رسائل من تحت الأرض".

    اتسمت حياة دوستويفسكي خلال هذه الفترة بتدهور الصحة والفَقر والتجارب العاطفية المعقدة. إذ وقع في حبِّ الطالبة الشابة بولينا سوسلوفا، واستمرت علاقته المُحبِطَة بها لعدَّة سنوات. وسافر إلى خارج البلاد بين عاميّ 1862 و1863 فراراً من دائنيه، وللعلاج ولعب القمار، فقد كان دوستويفسكي محباً للغاية للعب القمار. وربما كانت "مقامرة" إعدامه الذي لم يتمّ سبباً في ذلك بشكلٍ أو بآخر.

    في روايته "رسائل من تحت الأرض"، وهي إحدى رواياته القصيرة، يحاول دوستويفسكي في هذا العمل الأدبي تبرير اعتبار الحرية الفردية جزءاً ضرورياً من الطبيعة البشرية. وأعرب عن معارضته للرأي القائل إنَّ الإنسان مخلوق عقلاني، وإنّ المجتمع يمكن تنظيمه بطريقةٍ تضمن سعادة البشر.

    وفي هذه الرواية أكَّد أنَّ البشر يرغبون في الحرية أكثر مما يرغبون في السعادة، لكنه رأى أيضاً أنَّ الحرية المطلقة قوةٌ مدمِّرة، لأنه لا يوجد ما يضمن استخدام البشر للحرية بطريقةٍ بناءة. وتشير الأدلة التاريخية بالفعل إلى أن البشر يسعون إلى تدمير الآخرين وتدمير أنفسهم.

    مآسي دوستويفسكي وأشهر أعماله التي أخذته للعالمية

    توفيت زوجة دوستويفسكي الأولى عام 1864، وتزوَّج بعدها في العام التالي من آنا غريغوريفنا سنيتكينا التي كانت امرأةً عمليَّة ومتزنة على عكس زوجته الأولى، وعلى العكس أيضاً من عشيقته. وما من شكٍّ في أنّ الفضل يعود إليها إلى حد كبير في توفير الظروف التي ساعدته على العمل بتولِّيها مسؤولية العديد من المهام العملية التي كان يكرهها ولم يتمكن من أدائها يوماً كما ينبغي.

    كانت آنا قد ساعدت دوستويفسكي عندما عملت معه سكرتيرة أثناء كتابته رواية "المقامر"، وفي العام التالي تزوّجا. كانت آنا تصغر دوستويفسكي بـ25 عاماً. وقد اضطرّت لبيع ممتلكاتها الشخصية الثمنية للتغطية على ديون زوجها.

    دوستويفسكي
    طابع بريدي في الاتحاد السوفيتي عليه صورة دوستويفسكي 

    وقد كتبت آنا ذكرياتها ونشرت بعد وفاتها بسبع سنوات عام 1925، أي بعد وفاة دوستويفسكي نفسه بـ28 عاماً!

    وفي مذكراتها تقدِّم لنا آنا شخصية دوستويفسكي في تعقيداتها وشمولها، فقد شهدت معه مراحل مهمّة من حياته، فبعيداً عن طقوس دوستويفسكي أثناء كتابته أعماله التي روتها أيضاً، فقد ذكرت لنا تفاصيل سفره خارج روسيا، وكذلك الصعوبات التي عانوها معاً، ففي وقت وفاة ابنة دوستويفسكي كان مضطراً للكتابة ليوفر قوت يومه، كما كانا يرهنان أحياناً أثاث البيت لتوفير الطعام، كما أنّ دوستويفسكي قد أصيب بالحمّى أكثر من مرة بسبب رهنه معطفه لدى أحد أقربائه ليحظى بالمال لأسرته. وغيرها من مآسي هذا الكاتب الذي يعتبر أحد أهمّ الأدباء في التاريخ.

    في عام 1866، نشر دوستويفسكي روايته "الجريمة والعقاب"، وهي واحدةٌ من أشهر رواياته، ربما بسبب جاذبيتها من عدة جوانب. إذ يمكننا قراءتها على أنها عملٌ فنيّ جاد ومعقد للغاية، والاستمتاع بها باعتبارها قصة بوليسية مثيرة أيضاً.

    تدور أحداث الرواية حول مقتل امرأة عجوز على يد الطالب راسكولينكوف، أثناء محاولته ارتكاب جريمة سطوٍ لمساعدة أسرته الفقيرة. تقع جريمة القتل في بداية الرواية، وتدور بقية الأحداث عن ملاحقة راسكولينكوف من المحقِّق بورفيري.

    غير أنّ المحقق ليس وحده من يلاحقه، فضميره كذلك يلاحقه، ففي النهاية سيسلم راسكولينكوف نفسه ويقرر قبول العقاب على فعلته.

    سافر دوستويفسكي وعائلته خارج روسيا في عام 1867 لأكثر من أربع سنوات، بناءً على نصائح أطبائه ليتعافى من مرضه الدائم. وكانت ظروفهم الاقتصادية شديدة الصعوبة كالعادة. فقد خسر دوستويفسكي المال القليل الذي يملكونه في مشكلته الشخصية المستمرّة: المقامرة.

    كتب دوستويفسكي رواية "الأبله" بين عامي 1867 و1869، وذكر أنه ينوي في هذا العمل تصوير "الرجل الجميل الطيب الخالي من الشوائب". فكان بطل الرواية رجلاً طيباً يحاول العيش في مجتمع فاسد، فهل سينجح في ذلك؟ هذا ما ستوضحه الرواية.

    كما بدأ دوستويفسكي كتابة رواية "الشياطين" عام 1870 ونشرها بين عامي 1871 و1872. ولكنّها على غير سابقاتها بدأت على أنها كتيبٌ سياسي وكانت مستمدة من جريمةِ قتلٍ سياسية وقعت في موسكو يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1869. وفي هذه الرواية يحوّل دوستويفسكي حدثاً ثانويّاً إلى حدثٍ ضخم، ليشرح من خلاله السياسة الروسية في ذلك الوقت. ويرى العديد من القراء أن رواية "الشياطين" ليست تصويراً دقيقاً للسياسة في ذلك الوقت فحسب، وإنما مثّلت رؤية ثاقبة لمستقبل السياسة في روسيا وأماكن ديكتاتورية أخرى.

    أمّا رواية الإخوة كارامازوف (1879-1880) فهي أعظم روايات دوستويفسكي. فقد صنَّفها عالم النفس سيغموند فرويد باعتبارها واحدةً من أعظم الإنجازات الفنية في كل العصور.

    تدور أحداث الرواية حول أربعة أبناء، وشعورهم بالذَّنب من قتل والدهم فيودور. ويتميز كل ابنٍ منهم بسمة رئيسية: فيتميّز دميتري بالعاطفة، ويتميّز إيفان بالعقل، أمّا أليوشا فيتميّز بالروحانية، وسميردياكوف بكل ما هو قبيحٌ في الطبيعة البشرية.

    في النهاية يقتل سميردياكوف والدهم، لكنّ الإخوة الثلاثة الآخرين مذنبون بدرجةٍ ما برغبتهم وتفكيرهم في ذلك.

    وقد أرسل دوستويفسكي الجزء الأخير من رواية "الإخوة كارامازوف" إلى ناشره في 8 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1880، وتوفي بعد ذلك بفترةٍ وجيزة، في 26 يناير/كانون الثاني عام 1881 عانى من نزيفين رئويّين متتابعين، وبعد فترةٍ وجيزة عانى من نزيفٍ ثالث ليغادر العالم يوم 28 يناير/كانون الثاني.

    وفي وقت وفاته كان قد وصل إلى أوج مجده في روسيا، وحزن الكثيرون من الروس على موته، ولكنّ العدد الدقيق للمشيعين في جنازته غير مؤكّد، حيث أفادت مصادر مختلفة أن الأرقام تراوحت بين 40 و100 ألف مشيِّع.

    ونُقش على قبره اقتباسٌ من إنجيل يوحنا: الحق أقول لكم، ما لم تسقط حبَّة قمحٍ في الأرض وتموت فإنها تبقى وحدها، ولكن إذا ماتت فإنها تؤتي ثماراً كثيرة.

    وخطوة خطوة بدأ دوستويفسكي يحظى بالتقدير في أوروبا أيضاً، واستمر الاهتمام به وبأعماله في التنامي، حتّى يومنا هذا. وقد ترجم المترجم والدبلوماسي السوري سامي الدروبي أعمال دوستويفسكي كاملةً إلى العربية.

    رأيك في الموضوع

    Please publish modules in offcanvas position.